ابن تيمية
125
مجموعة الفتاوى
{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } . وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ بَيْنَ أُصُولٍ وَفُرُوعٍ . بَلْ جَعْلُ الدِّينِ " قِسْمَيْنِ " أُصُولاً وَفُرُوعاً لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ الَّذِي اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ يَأْثَمُ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ وَلَكِنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ ظَهَرَ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَدْخَلَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَحَكَوْا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ . وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا . وَلِهَذَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَيُصَلُّونَ خَلْفَهُمْ وَمَنْ رَدَّهَا - كَمَالِكِ وَأَحْمَد - فَلَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِماً لِإِثْمِهِمَا ؛ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَهَجْرُ مَنْ أَظْهَرَ الْبِدْعَةَ فَإِذَا هُجِرَ وَلَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ كَانَ ذَلِكَ مَنْعاً لَهُ مِنْ إظْهَارِ الْبِدْعَةِ ؛ وَلِهَذَا فَرَّقَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ لِلْبِدْعَةِ الْمُظْهِرِ لَهَا وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الخرقي : وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَجْهَرُ بِبِدْعَةِ أَوْ مُنْكَرٍ أَعَادَ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ .